ما أحسن ما تكلموا ، إني سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك ، أجعل كلامي في فيه ويقول لهم ما آمره به ، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه - انتهى.
هكذا رأيته مترجماً في بعض نسخ التوارة ، ثم رأيت السموأل بن يحيى المغربي ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان من أكابر علمائهم بل العلماء فقال: نبياً أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك ، بع فليؤمنوا - انتهى.
وهو يعني أن يكون هذا النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - لأنه من بني إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقله لا تعلق لها بشريعة قبلها ولا توقف لها عليها ، وذلك أن في العبارة كلمتين: مثل وإخوة ، وحقيقة الأخ ابن أحد الأبوين ، وهو لا يتأتى في أحد من أنبيائهم ، فأقرب المجاز إلى حقيقته الحمل على أخي الأب ، وهو إسماعيل عليه السلام ، والشائع في الاستعمال في نحو ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال: من أنفسهم ، لا من إخوتهم ، وحقيقة المثل المشارك في أخص الصفات ، وأخص صفات موسى عليه السلام الرسالة والكتاب بشريعة مستقلة ، ولم يأت منهم بعده من هو بهذه الصفة ، لأن عيسى عليه السلام لم ينسخ من شريعة موسى عليه السلام إلا بعض الأحكام ، وعلى تقدير دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا النص لوجهين: أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا بواسطة أمه ، فحق العبارة فيه: من بني أخواتهم - جمع أخت ، وإذا أريد آباء أمه كان المجاز فيهم أبعد من المجاز في بني إسماعيل لما تقدم ، ولا ينتقل إلى الأبعد إلا بقرينة تصرف عن الأقرب - والله أعلم.