الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَهُ إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَتَثْمِيرُهُ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قَالَ: «التِّجَارَةُ فِيهِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فَإِنَّ الْأَشُدَّ جَمْعُ شَدٍّ، كَمَا الْأَضُرُّ جَمْعُ ضَرٍّ، وَكَمَا الْأَشُرُّ جَمْعُ شَرٍّ. وَالشَّدُّ: الْقُوَّةُ، وَهُوَ اسْتِحْكَامُ قُوَّةِ شَبَابِهِ وَسِنِّهِ، كَمَا شَدُّ النَّهَارِ ارْتِفَاعُهُ وَامْتِدَادُهُ، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ شَدَّ النَّهَارِ وَمَدَّ النَّهَارِ، وَذَلِكَ حِينَ امْتِدَادِهِ وَارْتِفَاعِهِ، وَكَانَ الْمُفَضَّلُ فِيمَا بَلَغَنِي يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ:
[البحر الكامل]
عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ... خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالْعَظْلَمِ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
يُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ ... طَوِيلَةُ أَنْقَاءِ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَشُدَّ اسْمٌ مِثْلُ الْآنُكِ. فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْحِينِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الْإِنْسَانُ قِيلَ بَلَغَ أَشُدَّهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ ذَلِكَ لَهُ إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ إِنِ افْتَقَرَ، وَإِنِ اسْتَغْنَى فَلَا يَأْكُلْ"، قَالَ اللَّهُ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ الْكِسْوَةِ فَقَالَ: «لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ الْكِسْوَةَ إِنَّمَا ذَكَرَ الْأَكْلَ» .