وَأَمَّا قَوْلُهُ: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فَإِنَّ الْأَشُدَّ جَمْعُ شَدٍّ، كَمَا الْأَضُرُّ جَمْعُ ضَرٍّ، وَكَمَا الْأَشُرُّ جَمْعُ شَرٍّ. وَالشَّدُّ: الْقُوَّةُ، وَهُوَ اسْتِحْكَامُ قُوَّةِ شَبَابِهِ وَسِنِّهِ، كَمَا شَدُّ النَّهَارِ ارْتِفَاعُهُ وَامْتِدَادُهُ، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ شَدَّ النَّهَارِ وَمَدَّ النَّهَارِ، وَذَلِكَ حِينَ امْتِدَادِهِ وَارْتِفَاعِهِ، وَكَانَ الْمُفَضَّلُ فِيمَا بَلَغَنِي يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ:
[البحر الكامل]
عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا ... خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالْعَظْلَمِ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
يُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ ... طَوِيلَةُ أَنْقَاءِ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَشُدَّ اسْمٌ مِثْلُ الْآنُكِ. فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْحِينِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الْإِنْسَانُ قِيلَ بَلَغَ أَشُدَّهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ ذَلِكَ لَهُ إِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لَهُ إِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً
عَنِ السُّدِّيِّ: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قَالَ:"أَمَّا أَشُدُّهُ: فَثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهَا: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} "
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ عَمَّا حُذِفَ. وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فَإِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ فَآنَسْتُمْ مِنْهُ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ، لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَنْهَ أَنْ يُقْرَبَ مَالُ الْيَتِيمِ فِي حَالِ يُتْمِهِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَيَحِلُّ لِوَلِيِّهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَشُدَّهُ أَنْ يَقْرَبَهُ بِالَّتِي هِيَ أَسْوَأُ، وَلَكِنَّهُ نَهَاهُمْ أَنْ يَقْرَبُوا حِيَاطَةً مِنْهُ لَهُ وِحِفْظًا عَلَيْهِ لِيُسَلِّمُوهُ إِلَيْهِ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}