والأولى في تحقيق بلوغ الأشد أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد ، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكاً مسلك العقلاء ، لا مسلك أهل السفه والتبذير ، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء: {وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم} [النساء: 6] فجعل بلوغ النكاح ، وهو بلوغ سنّ التكليف مقيداً بإيناس الرشد ، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا ، والأشد واحد لا جمع له ، وقيل: واحده شدّ كفلس وأفلس ، وأصله من شدّ النهار ، أي ارتفع.
وقال سيبويه: واحده شدة.
قال الجوهري: وهو حسن في المعنى ، لأنه يقال بلغ الكلام شدته ، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل.
قوله: {وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط} أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء {لاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف ، ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن ، فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان {وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا} أي إذا قلتم بقول في خير أو شهادة ، أو جرح أو تعديل ، فاعدلوا فيه ، وتحرّوا الصواب ، ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد ، ولا تميلوا إلى صديق ، ولا على عدو ، بل سوّوا بين الناس ، فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به ، والضمير في {وَلَوْ كَانَ} راجع إلى ما يفيده {وإذا قلتم} فإنه لا بد للقول من مقول فيه ، أو مقول له ، أي ولو كان المقول فيه ، أو المقول له {ذَا قربى} أي صاحب قرابة لكم.
وقيل إن المعنى: ولو كان الحق على مثل قراباتكم والأوّل أولى ، ومثل هذه الآية قوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} [النساء: 135] .