فالإنسان يتمتع بوجود الشمس قبل معرفة ما بها من طاقة ، ولكن عندما تخصص العلماء في دراسة الشمس عرفوا أن الإنسان يمكن أن يستفيد بهذه الطاقة أكثر من فائدته التقليدية بها ، ولذلك صارت هناك بعض المدن تنير شوارعها بالطاقة الشمسية ، وصارت هناك بعض المباني تدفيء حجراتها بالطاقة الشمسية وتسخِّن المياه أيضاً بهذه الطاقة . ولم يمنع هذا الاكتشاف أن يستفيد الأمي أو البدوي في الصحراء من نور الشمس . وكذلك الكهرباء ، والأدوات الكهربائية والمنزلية التي يمكن للجاهل الاستفادة منها ، مثل استفادة الخبير بها ، صحيح أن الأمي لا يعرف كيف تدور المصانع التي تنتج أجهزة التليفزيون ولكنه يستفيد برؤية التليفزيون . والتليفزيون ليس إلا ترجمة مادية لمجموعة من القوانين العلمية اكتشفها الإنسان ووضعها موضع التطبيق لصناعة هذه الآلة التي يستفيد بها الإنسان .
ولكل سر ميلاد تماماً كميلاد الإنسان . وإذا جاء ميعاد ميلاد السر ولم يكن هناك من يبحث عنه ، فسبحانه يكشفه لأي بشر بالمصادفة ، وكثيراً ما نسمع أن عالماً كان يبحث في مجال ولكنه اكتشف سراً غير الذي كان يبحث عنه . ولذلك يقول الحق في آية الكرسي: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .
فأنت أيها الإنسان لا تحيط علماً بأسرار الكون إلا إذا أذن الله ، وهناك عشرات الآلاف من الأمثلة على ذلك بداية من قاعدة أرشميدس التي تسير عليها البواخر والغواصات ، إلى قانون الجاذبية الأرضية الذي اكتشفه نيوتن عندما وقعت تفاحة أمامه بالمصادفة ، إلى اكتشاف البنسلين ، إلى غير ذلك من أسرار هذا الكون .