الثاني - لماذا كان النهي عن الشرك بعد الأمر بأن يكون أول مذعن لمطالب الإيمان بالواحدانية، والجواب عن ذلك أن النهي هو عن أن يكون من المشركين بأن يتبرأ منهم، ومن إشراكهم، ويخرج من صفوفهم، ولو كانوا قومه وعشيرته القربى، وإذا خرج من صفوف أهل الكفر كان في حزب الله، وحزب الله تعالى هم المفلحون.
الثالث - لماذا كان الالتفات من الإخبار الظاهر في قوله تعالى: (وأمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) إلى الخطاب في قوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ؟ والجواب عن ذلك أن الخطاب فيه توكيد معنى النهي عن الشرك، وكلتا الجملتين للخطاب كما خرجنا في الأمر الأول، والله تعالى هو وحده الذي يملك الأمر والنهي.
(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)
هذا أمر ثالث من الله سبحانه وتعالى لنبيه الأمين - صلى الله عليه وسلم - أن يبين حالا من أحواله - صلى الله عليه وسلم -، يكون فيها تنبيه لهم، وتحذير من أن يبقوا على الشرك، ويستمروا على عصيان الله تعالى، فيأمره تعالى بأن يقول لهم: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ) .
فذكر هذه الحال من النبي - صلى الله عليه وسلم - تنبيه لهم إلى أنهم في مقام من يخاف عذاب يوم عظيم.
ففي هذا النص إنذار لهم بأن عذاب يوم عظيم ينتظرهم، وأنه يجب أن يخافوه، ويتقوه، بأن يقلعوا عما هم فيه من الوقوع في أسبابه، وهو العصيان، وأكبر العصيان الشرك، وأنذروا بأدق تعبير، وأنصف تصوير، وأبلغ بيان إذ جعلت حال النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخوف من عذاب الله إن عصى منبهة إلى الاقتداء، والتفتيش عماهم فيه من معصية.
وفى الموضع كلام في عصيان الأنبياء أيتصور وقوعه؟ ونقول إن الأنبياء معصومون عن العصيان، ولكن الخوف من العصيان يعتريهم؛ لأنهم لفرط إحساسهم بعظمة الله وإيمانهم بحسابه وعقابه وثوابه، ورقابتهم النفسية لله يكونون دائما في خوف ووجل، لَا لتوقع العصيان، ولكن رهبة من الديَّان.