قال أبو إسحاق: (هذا أيضًا احتجاج على المشركين؛ لأنهم لم ينكروا أن ما استقر في الليل والنهار لله الذي هو خالقه ومدبره، والذي هو كذلك قادر على إحياء الموتى) .
14 -قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: خالقهما، ابتدأ على غير مثال سبق، والفطرة ابتداء الخلقة. قال ابن عباس: (كنت ما أدري ما فاطر السماوات حتى احتكم إلى أعرابيان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، وأنا ابتدأت حفرها) .
وقرأت على أبي الفضل العروض - رحمه الله - فقلت: أخبركم الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أبي العباس أنه سمع ابن الأعرابي يقول: (أنا أول من فطر هذا، أي: ابتدأه) . وقال ابن الأنباري: (أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه) .
وقوله تعالى: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يريد: خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يكون فيه الشق والتأليف عند ضم بعض الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل للشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد، ففاطر السماوات من الإصلاح لا غير، وقوله: {هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3] ، و {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1] من الإفساد، وأصلهما واحد.
وقوله تعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} قال السدي: وهو يرزق ولا يُرْزَق.
وقوله تعالى: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أي: وقيل لي ذلك وصارت {أُمِرْتُ} بدلاً من ذلك؛ لأنه حين قال: {أُمِرْتُ} أخبر أنه قيل له ذلك، فقوله: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} معطوف على ما قبله في المعنى؛ لأن معنى {أُمِرْتُ} : قيل لي. والآية حجة على المشركين من جهة أن من يُطْعَم هذا العالم الذي فطره، ولا يُطْعَم لغناه عن كل شيء ، فواجب أن يستنصر منه ويؤمل النفع منه لا من غيره.