أَقُولُ: أَمَّا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَانَ ذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ بِسُؤَالِهِمْ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَأَمَّا تَحَدِّيهِمْ بِهِ فَذَلِكَ الْمُسْتَدِلُّ أَطْلَقَ هَذِهِ الدَّعْوَى وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنْ بَعْضَ الْمُصَنِّفِينَ ذَكَرَهَا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} - الْآيَةَ وَقُلْنَا: إنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى التَّحَدِّي بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ عَلَى مُعَارَضَتِهِ ، وَأَمَّا عُمُومُ الدَّعْوَةِ بِهِ أَوْ خُصُوصُهَا فَلَا تَعَرُّضَ فِي الْآيَةِ لِذَلِكَ وَلِذَلِكَ فَقَوْلُ السَّائِلِ أَمَّا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَتَحَدِّيهِمْ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّ تِلَاوَتَهُ عَلَيْهِمْ كَانَ لِقَصْدِ التَّحَدِّي .
فَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا كَانَ لِلتَّعْلِيمِ ، وَالتَّحَدِّي فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُبَارَاةُ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَالْإِتْيَانِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَالْجِنُّ مِنْ حَيْثُ سَمِعُوا الْقُرْآنَ بِنَخْلَةٍ إذْ صَرَفَهُمْ اللَّهُ إلَيْهِ عَلِمُوا أَنَّهُ مُعْجِزٌ فَلَمْ يُبَارُوا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَيْضًا فَالْجِنُّ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى أَسَالِيبِهِ وَتَضَمَّنَ مِنْ نَظْمِ تِلْكَ الْأَسَالِيبِ وَالْجَزَالَةِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى الَّذِي أَعْجَزَتْ الْخَلَائِقَ الَّذِينَ هُمْ فُصَحَاءُ ذَلِكَ اللِّسَانِ فَعَجْزُهُمْ عَنْ