اعلم ، أنّ تقديم الشيء على سواه ، وتصدير الأمور به يؤذن بتهمّم المقدّم لذلك الأمر ، المصدّر له به ، فتقديم الحقّ ثناءه فِي صدر كلامه دليل على أمور منها: التهمّم به والتعريف بمزيّته فإنّه المفتاح المشير إلى المقصد الغائي ، الذي هو عبارة عن الحال الكلّي الأخير ، الذي يستقرّ عليه أمر الكلّ من حيث الجملة ، وإنّه ناتج من بين معرفتهم التامّة بالحقّ وبكلّ ما يسمّى"سوى"وبين شهودهم الذاتي الخصوصي ، المتفرّعين عن الهداية الخاصّة ، المحرّض على طلبها والمتكفّل بإنالتها طالبيها ، لكن بعد حسن التوسّل بجزيل الذكر وجميل الثناء وتجريد التوحيد حال التوجّه بالعبادة ، وكمال الاعتراف بالعجز والقصور والاستناد مع الإذعان. كلّ ذلك بمعرفة الاستحقاق وتعيّن موجبات الرغبة المنبّه عليها فِي رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وموجبات الرهبة المندرجة فِي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والتنبيه أيضا على أنّ من لم يتّسم بسمة الهداية المعنيّة بحيث يسري حكمها فِي أحوال المهتدي وأفعاله ، وعاجل أمره وآجله ومآله ، حتى ينتهي به الأمر إلى الاحتظاء بما حظي به الكمّل من ربّهم قبله ، أو السعداء مثله ، وإلّا فهو بصدد الانصباغ بحكم الغضب ، والوقوع فِي مهواة الحيرة وبيداء التيه.
والغاية القصوى ما سبق الإشارة إليه من حال الكمّل لأنّ السبب الأوّل فِي إيجاد العالم هو حبّ الحقّ أن يعرف ويعبد كما أخبر ، ويشهد كماله بظهوره ووجوده.
والمراتب الوجوديّة والعلميّة إنّما تقوم وتدوم فِي كلّ زمان بالكامل المستناب والمستندب لتكميل ذلك وحفظ نظامه فِي ذلك الزمان ، فلا جرم وقع الأمر كما هو عند من يعرفه. وقد تكرّرت التنبيهات الإلهيّة على ذلك فِي الكتب المنزلة ، وبلسان الكمّل.
فمن ذلك
قوله سبحانه فِي التوراة:"يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلي"