الشبهة الثالثة: نزول القرآن على سبعة أحرف يخالف قول الله {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} .
نص الشبهة:
يقولون: إن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تثبت الاختلاف في القرآن مع أن القرآن نفسه يرفع الاختلاف عن نفسه إذ يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } ، وذلك تناقض ولا ندري أيهما يكون الصادق.
والجواب: الاختلاف هنا بمعنى التنويع في طرق الأداء، اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتنافر وتناقض.
إن الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن. وهذا كاف في دفع التناقض فكلاهما صادق. وبيان ذلك أن الأحاديث الشريفة تثبت الاختلاف بمعنى التنويع في طرق أداء القرآن والنطق بألفاظه في دائرة محدودة لا تعدو سبعة أحرف، وبشرط التلقي فيها كلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمَّا القرآن فينفي الاختلاف بمعنى التناقض
والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه مع ثبوت التنويع في وجوه التلفظ والأداء السابق، ومعنى ذلك أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يلزم منه تناقض، ولا تخاذل، ولا تضاد، ولا تدافع بين مدلولات القرآن ومعانيه، وتعاليمه ومراميه بعضها مع بعض؛ بل القرآن كله سلسلة واحدة متصلة الحلقات، محكمة السور والآيات، متآخذة المبادئ والغايات مهما تعددت طرق قراءته، ومهما تنوعت فنون أدائه.
ولابن الجزري كلام نفيس يتصل بهذا الموضوع قال: وأما حقيقة اختلاف هذه السبعة الأحرف المنصوص عليها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفائدته؛ فإن الاختلاف المشار إليه في ذلك اختلاف تنوع وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض؛ فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } ، وقد تدبرنا اختلاف القراءات كلها فوجدناها لا تخلو من ثلاثة أحوال: