الوجه الثالث: أن ذلك كان رخصة لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأميين ثم نسخ وإلا لجازت روايته بالمعنى، ولذهب التعجد بلفظه، ولا تسع الخرق، ولفات كثير من الأسرار والأحكام وهذا يستدعي نسخ الحديث وفيه بعد؛ بل لا قائل به.
وقال القرطبي: ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ، أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره؛ لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريبًا للمتعلم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال الملا علي القاري: قال كثيرون من الأئمة: إنما كان ذلك، أي جواز تغيير اللفظ بمرادفه، رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، فالقرشي يشق عليه تخفيف الهمزة، واليمني تركه فلذلك سهل على كل قبيلة أن تقرأ بلغتها، ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الكتابة والحفظ.
وقال الزركشي: إن ضرورة اختلاف لغات العرب ومشقة نطقهم بغير لغتهم؛ اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر، فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد، وتدربت الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة، فعارض جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن مرتين في السنة الآخرة، واستقر على ما هو عليه الآن، فنسخ الله سبحانه تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس مراعاة التخفيف على العجوز والشيخ الكبير.
الوجه الرابع: إن هذا قد نسخ.
قال القاضي ابن الطيب: وإذا ثبت هذه الرواية - يريد حديث أُبَيٍّ - حُمل على أن هذه كان مطلقًا ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسمًا لله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف.
الوجه الخامس: هذا خاص لمعان متفق مفهومها، مختلف مسموعها.
قال ابن عبد البر: إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافًا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده وما أشبه ذلك.