هذا هو أصل معنى السرقة في ذاته، وهذا القدر قد اتفق عليه العلماء في الجملة، وقد اختلف العلماء من بعد في الشروط الواجبة للحد، ولنذكر بعض هذا الاختلاف:
* فقد اشترط أكثر أهل العلم لتحقق السرقة الوجبة للقطع أن يأخذ المسروق ويخرج به من مكان حرزه، ومقتضى تحقق السرقة مع هذا الشرط، أن يدخل ويأخذ مستخفيا، ويخرج من المكان الذي فيه المال إلى خارجه فإن ضبط قبل أن يخرج به لَا يقام عليه الحد. وقد خالف في اشتراط الخروج بالشيء من حرز - إبراهيم النخعي التابعي، وفقهاء أهل الظاهر.
في وقد اشترط الحنفية وبعض الفقهاء أن يكون الدخول إلى مكان الحرز بغير إذن صاحبه، فلو كان بإذنه وسرق لَا تقطع يده، فالضيف إذا سرق من مضيفه لا تقطع يده؛ لأنه دخل بإذنه، فلم يحدث هتك حمى الحرز وكأن هؤلاء يشترطون
مع الشرطين السابقين أن يتحقق معنى هتك حمى الحرز، وهو موضع الأمانة التي تنتهك حرماتها.
* ويظهر أن الكثيرين من الفقهاء يشترطون مع ذلك أن يكون المكان المسروق منه في وسط الأحياء العامرة في المدائن أو القرى، ليتحقق معنى الحرز والمحافظة، وكذلك قرروا أن البيوت التي تكون في البساتين أو الطرق أو الصحراء وليست في العمران إذا لم يكن بها أحد وسرقت مع اتخاذ المغاليق، وضبط الأبواب، لَا يكون ثمة قطع يد؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران لَا يعد حافظا له، وإن أغلق بابه وأحكم الإغلاق.
بينا في هذا معنى السرقة الموجبة للقطع من حيث ذات الفعل، وبقي أن نتكلم في محل السرقة،، وهو المال المسروق، فليس كل مال يؤخذ ولو كان محرزا ومحفوظا، وبين الناس، يعد أخذه موجبا للقطع، وقد قالوا: إن المسروق يجب أن يكون مالا متقوما، لَا شبهة فيه، ولا قصور في ماليته بأن يكون مما يتموله الناس، ويعدونه لأغراضهم المختلفة، ويتنافسون في طلبه، وعلى ذلك لا يصح أن يكون المال من توافه الأموال كالتراب والطين وما يشبههما مهما تبلغ قيمته.
ولا بد أن يكون المال المسروق مملوكا لمن سرق منه ملكية قطعية لَا شبهة فيها، فلا قطع في أخذ مال مباح، ولا في المال الذي كان أصله مباحا، وامتلك بالإحراز كالماء والصيد.