والآن نتكلم عن معنى السرقة التي توجب قطع اليد، وهنا ننتقل من المعنى اللغوي للكلمة، إلى المعنى الشرعي المستمد من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن المأثور عن صحابته، ومما فهمه السلف من فقهائنا الأمجاد، رضي الله تبارك وتعالى عنهم.
لقد اتفق علماء الشريعة على أن السرقة أخذ المال على سبيل الاستخفاء، وهذا معنى فقهي يلتقي مع المعنى اللغوي، ولكن الفقهاء زادوا قيدا في هذا المعنى، وهو أن يكون الأخذ من حرز مثله، أي يكون المال محرزا مصونا محفوظا معنيا بحفظه العناية التي تليق، وقد قال الفقهاء رضي الله عنهم: إن الأخذ على سبيل الاستخفاء هو ركن السرقة، وكون الأخذ لمال محزر محفوظ حفظا يليق بمثله شرط لاستحقاق العقوبة المحدودة التي ذكرها الشارع الحكيم.
وإذا كانت السرقة لَا يتحقق ذكرها إلا إذا كان الأخذ على سبيل الاستخفاء، فإنه لَا يكون المغتصب سارقا، ولا يكون المختلس سارقا، وقد فرقوا بين المختلس والسارق فقالوا: إن السارق يكون مختفيا غير معلوم للمسروق منه، أما المختلس فإنه لَا يكون مختفيا، بل يكون ظاهرا ولكن يأخذ في غفلة من صاحب المال، والجمهور على أن الاختلاس لَا يعد من السرقة فلا تقطع فيه اليد، ولقد خالف الجمهور إياس بن معاوية القاضي، وأوجب القطع على اعتبار أن فيه نوع استخفاء، وإن كان في العمل، ولم يكن في الشخص، وأن لذلك الرأي وجاهته من ناحية العمل، ومن ناحية المعنى.
ولقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل: أنه عد من السرقات جحود العواري والودائع؛ لأنه ثبت أن المخزومية التي قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - يدها، كانت تجحد ما تستعيره من الناس.
وإن ذلك غير الرواية الراجحة عن الإمام، بل إن الرواية الراجحة مع الجمهور، والحق هو أنها لَا تعتبر سرقة وإلا اعتبر جحود الحقوق سرقة موجبة للقطع، لأنه لَا فرق بين جحود العواري والودائع، وجحود الديون وسائر الحقوق المالية. وإن الفارق بين السرقة وجحود العواري كبير، فإن السرقة أخذ، وهذه منع للحقوق، والفرق بين المنع والأخذ كبير، وهذه أخذت بتمكين من المالك، والسرقة أخذ بغير تمكين من المالك.