وَعُلِمَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ قَالَهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ لَهُ وَجْهٌ ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ قَوْلَ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فَوَجْهُهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِأَوْ ، لَا يَعْنِي بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ ، بَلْ بِالِاجْتِهَادِ وَمُرَاعَاةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ وَتَقُومُ الْمَصْلَحَةُ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأَمْرِ ، كَيْفَ وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْحُكْمِ ؟ وَمَنْ وَضَعَ كُلَّ عُقُوبَةٍ بِإِزَاءِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُفْسِدِينَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ رَأْيَهُ وَاجْتِهَادَهُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَدْرَأُ الْمَفْسَدَةَ ، وَتَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ ، كَمَا يُبَيِّنُونَ فَهْمَهُمْ وَاجْتِهَادَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ ، وَلَا يُوجِبُونَ ، بَلْ لَا يُجِيزُونَ لِأَحَدٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَّخِذَ فَهْمَهُمْ أَوْ رَأْيَهُمْ دِينًا يُتَّبَعُ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِعَانَةٌ لِلْبَاحِثِ وَالنَّاظِرِ عَلَى الْعِلْمِ ، فَإِنَّ الْمُسْتَقِلَّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِذَا نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَعْرِفْ لِغَيْرِهِ رَأَيًا فِيهَا يَكُونُ مَجَالُ نَظَرِهِ أَضْيَقَ مِنْ مَجَالِ مَنْ عَرَفَ أَقْوَالَ النَّاسِ وَآرَاءَهُمْ ، وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ مُجْتَهِدٍ قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; إِمَّا إِلَى رَأْيِهِمْ ، وَإِمَّا إِلَى رَأْيٍ جَدِيدٍ . وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ وَمَذْهَبٌ جَدِيدٌ ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ إِنَّ أَكْثَرَ مَا قَالُوهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ