وقد ناقش فِي كون: {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} بمعنى واحد، العلامة الشيخ محمد عبده المصري فِي"مباحثه التفسيرية"قائلاً: إن ذلك غفلة، نسأل الله أن يسامح صاحبها - ثم قال: - وأنا لا أجيز لمسلمٍ أن يقول، فِي نفسه أو بلسانه: إن فِي القرآن كلمة جاءت لتأكيد غيرها ولا معنى لها فِي نفسها، بل ليس فِي القرآن حرف جاء لغير معنى مقصود.
والجمهور: على أن معنى الرحمن: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم: المنعم بدقائقها. وبعضهم يقول: إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين، وكل هذا تحكم باللغة مبنيٌّ على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولكن الزيادة تدل على الوصف مطلقاً، فصيغة: {الرَّحْمَنُ} تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان جليلاً أو دقيقاً، وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفاً أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفاً، فهو غير معنيّ ولا مراد، وقد قارب من قال: إن معنى: {الرَّحْمَنُ} المحسن بالإحسان العام. ولكنه أخطأ فِي تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين، ولعل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول - على قوله هذا - وهو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة، مع عدم التفطن لما هو أحسن منه، ثم قال: والذي أقول: إن لفظ: رحمن؛ وصفٌ فعليٌّ فيه معنى المبالغة - كفعّال - ويدل فِي استعمال اللغة على الصفات العارضة - كعطشان وغرثان وغضبان - وأما لفظ: رحيم؛ فإنه يدل فِي الاستعمال على المعاني الثابتة، كالأخلاق والسجايا فِي الناس - كعليم وحكيم وحليم وجميل - والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ فِي الحكاية عن صفات الله عز وجل التي تعلو عن مماثله صفات المخلوقين.