فإن قيل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولّى الدّارَقُطْنِيّ جمع ذلك فِي جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة فِي مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة فِي صحيح مسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم أيضاً عن أنس بن مالك قال: صلّيت خلف النبيّ صلى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين؛ لا يذكرون"بسم الله الرحمن الرحيم"لا فِي أوّل قراءة ولا فِي آخرها.
ثم إن مذهبنا يترجّح فِي ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول؛ وذلك أن مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلّم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرّت عليه الأزمنة والدهور، من لَدُن رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قطّ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
اتباعاً للسُّنة؛ وهذا يردّ أحاديثكم.
بَيْدَ أن أصحابنا استحبّوا قراءتها فِي النفل؛ وعليه تحمل الآثار الواردة فِي قراءتها أو على السَّعة فِي ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها فِي النافلة ومن يَعرِض القرآن عرضاً.