الْأَوَّلُ: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَوَاطَئُونَ سِرًّا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ فَبَيَّنَهَا اللهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَا حَكَاهُ اللهُ عَنْهُمْ صِدْقًا عَلَى خَفَائِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَطَّرِدْ فِيهِ هَذَا الصِّدْقَ .
الثَّانِي: قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الْقُرْآنَ كِتَابٌ كَبِيرٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَقَعَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمُتَنَاقِضَةِ ; لِأَنَّ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ الطَّوِيلَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ: إِنَّ الْمُرَادَ الِاخْتِلَافُ فِي مَرْتَبَةِ الْفَصَاحَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي جُمْلَةِ مَا يُعَدُّ فِي الْكَلَامِ الرَّكِيكِ ، بَلْ بَقِيَتِ الْفَصَاحَةُ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِنْسَانَ - وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَنِهَايَةِ الْفَصَاحَةِ - إِذَا كَتَبَ كِتَابًا طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلَى الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ التَّفَاوُتُ فِي كَلَامِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُهُ قَوِيًّا مَتِينًا وَبَعْضُهُ سَخِيفًا نَازِلًا ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ الْمُعْجِزُ مِنْ عِنْدِ اللهِ - تَعَالَى - .