وَلَا تَسْتَنْكِرْ ذَلِكَ بِمَا وَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ أَخْذِهِمْ بِأَحْكَامِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ وَلَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ بَأْسِهِمْ بَلْ كَانُوا أَشَدَّ بَأْسًا ; لِأَنَّ الشَّارِعَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ دِينَهُمْ كَانَ وَازِعَهُمْ فِيهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لِمَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِتَعْلِيمٍ صِنَاعِيٍّ وَلَا تَأْدِيبٍ تَعْلِيمِيٍّ ، إِنَّمَا هِيَ أَحْكَامُ الدِّينِ وَآدَابُهُ الْمُتَلَقَّاةُ نَقْلًا يَأْخُذُونَ أَنْفُسَهُمْ بِهَا بِمَا رَسَخَ فِيهِمْ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ ، فَلَمْ تَزَلْ سُورَةُ بِأْسِهِمْ مُسْتَحْكِمَةً كَمَا كَانَتْ وَلَمْ تَخْدِشْهَا أَظْفَارُ التَّأْدِيبِ وَالْحُكْمِ ، قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ الشَّرْعُ لَا أَدَّبَهُ اللهُ ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْوَازِعُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَقِينًا بِأَنَّ الشَّارِعَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ .
وَلَمَّا تَنَاقَصَ الدَّيْنُ فِي النَّاسِ وَأَخَذُوا بِالْأَحْكَامِ الْوَازِعَةِ ، ثُمَّ صَارَ الشَّرْعُ عِلْمًا وَصِنَاعَةً يُؤْخَذُ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ ، وَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى الْحَضَارَةِ وَخُلُقِ الِانْقِيَادِ إِلَى الْأَحْكَامِ نَقَصَتْ بِذَلِكَ سَوْرَةُ الْبَأْسِ فِيهِمْ .