وكل هذا كلام في مقتضى حكم اللفظ ، فأما من حيث المعنى
فالناس خاصهم وعامهم مراد بقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)
إن قيل: ما وجه قوله: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) بعد ذلك الكلام ؟
قيل: لما كان قوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)
إنذازا لهم ، نبه بذلك أنه قد أزاح عللهم به ، وأنهم متى عصوا فلا
حجة لهم ، إشارة إلى قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي يشهد تعالى ما يفعله
ويفعلونه ، ويشهد يوم القيامة ، وكفى به مشاهدًا وشاهدًا.
قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(80)
نبّه بذلك على حجة ظاهرة في وجوب طاعة نبيه.
وبيانه أنه إذا كان طاعة الله واجبة ، وطاعته لا تتم إلا بطاعته.
لأن عامة أوامره لا سبيل إلى الوقوف عليها إلا من جهته.
وما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه ، اقتضى
ذلك أن من أطاع رسول الله فقد أطاعه ، فنبّه بذلك على مقابله.
وهو أن من عصى رسوله فقد عصى الله ، وكالأمر بطاعة الله
ورسوله الأمر بالإِيمان بهما في نحو قوله:
(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، فكذلك الأمر باستجابته في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) .
ثم قال: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) حثَّا على إبلاع ما ندب
إليه من المأمور به في قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وتنبيهًا أن ليس يعود عليك مضرة ما يفعلونه في أنفسهم.
المدلول عليه بقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
وقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) .