فإنه قد يقال: فيما كان برضاه وبسخطه وفيما يحصل.
وقد أمر به ونهى عنه ، ولا يقال: هو من الله إلا ما كان
برضاه وبأمره ، وبهذا النظر قال عمر: إن أصبت فمن الله ، وإن
أخطأت فمن الشيطان ، ثم ذكر تعالى ما يصيب الإِنسان من
ثواب وعقاب ومحابّ ومكاره ، مما في سببه صنع بشر ، فقال:
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) .
وعنى بالنفس المذكورة هاهنا المذكورة في قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) .
ومقتضى الآية كقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ(89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ).
وكقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، وعلى هذا فسَّر ابن عباس فقال: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) : يوم بدر (فَمِنَ اللَّهِ) ، (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) : يوم حنين (فَمِنْ نَفْسِكَ) .
إن قيل: كيف سمَّى العقاب سيئة ، ومعلوم أنه في الحقيقة ليس بسيئة ؟
قيل: إن ذلك كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)
وقد تقدم مثل ذلك.
إن قيل: إذا كان معنى الآية الثانية على
ما ذكرت في أنه أريد به الثواب والعقاب فهلّا قال: ما أصابك
من حسنة وسيئة فمن نفسك ، إذا كان مقتضى ثوابه وعقابه فعل
العبد ؟
قيل: إنما نسب الله تعالى الحسنة إلى نفسه في الثواب.
تنبيهًا أنه سبب الخيرات ، ولولاه لما حصل بوجه ، فإنه يكسبه
للعبد بإرادة من الله وأمر وحثّ وتوفيقٍ ، وأما السيئة وإن كانت
بإرادة من الله عند قوم فليست بأمر منه ولا حث ولا توفيق ، ومع
ذلك أدّب بذكر ذلك عباده ، ليراعوا فيما ينالهم نعمته عليهم.
وينسبوا الحسنات إليه ، ويعلموا أنه سبب كل خيرات ، وأنه لولاه