ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو نال أسباب السماءبسلَّم
فعلى هذا وصف البروج بالمشيّدة على طريق التشبيه ، ولاعتبار
ذلك فُسِّرتْ بالمطوّلة ، والقصد بذلك إلى نحو ما قيل: والموت
ختم في رقاب العباد ، وإلى نحو معناه قصد بقوله: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) .
وقوله: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) .
أي لا يفهمون ما يوعظون به.
وقيل: عنى بالحديث الحادثة من صروف الزمان.
والمعنى ما لهم لا يتدبرون ما يحدث حالاً فحالاً من صروف الزمن.
كقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) .
وقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية.
قد طعن في ذلك قوم من الملحدة ، وزعموا أن الآيتين متناقضتان.
قالوا: ويدل على تناقضهما على وهم مُوردها ونسيانه في الوقت
ما قد سبق من كلامه ، وإلا فأي ذي مسكة من العقل يقول:
(كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، ثم يقول منكرًا على ما قال ذلك (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) فيثبت ما قد نفاه.
وينقض ما قد بناه ، هذا من طعن الملحدة ، فأما أهل الشرع
فقد تعلق بالآية الأولى الفرقة التي لقبها المعتزلة بالجبر.
فقالوا: إن قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) عام يدل على أن الأفعال
الظاهرة من العباد هي من الله ، وتأولوا قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يقتضي أن لا ينسب فعل السيئة إلى الله تعالى
بوجهٍ ، وجعلوا الحسنة والسيئة في الآية الأولى بمعنى
الخصْب والجدب والفقر والغنى ، فأما طعْن الملاحدة فظاهر
الوهن ، وذلك أن الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة:
كالحيوان الذي يقع على الإِنسان والفرس والحمار ، أو من