وقوله تعالى: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ} . قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) فيه بليل فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد. قاله في قوله: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] ،.
وقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت، وهو قول أبي عبيدة وأبي العباس وجميع أهل اللغة، وأنشدوا:
أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني لأمر نكر
وحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر.
وقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة، وذلك الوقت أخلى للأفكار. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.
فأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول:"يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول".
وقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم.
قال عبد الله بن مسلم: (ويقولون طاعة) بحضرتك، (فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) أي قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا.
وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم.
وقال قتادة: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} يغيرون ما عاهدوا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - . وكذلك قال الفراء في معنى التبييت، أنه بمعنى التغيير.
وهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه.
وبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير، وينشدون:
وبيت قولي عبد المليك ... قاتلك الله عبدًا كفورًا