يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَهُمْ يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ , وَيَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا , {فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ}
يَعْنِي:"مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ , {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} وَأَثْبَتَ لَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ , وَأَقْوَمَ لَهُمْ عَلَيْهَا."
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقَ يَعْمَلُ عَلَى شَكٍّ , فَعَمَلُهُ يَذْهَبُ بَاطِلًا , وَغَنَاؤُهُ يَضْمَحِلُّ فَيَصِيرُ هَبَاءً , وَهُوَ بِشَكِّهِ يَعْمَلُ عَلَى وَنَاءٍ وَضَعْفٍ , وَلَوْ عَمِلَ عَلَى بَصِيرَةٍ لَاكْتَسَبَ بِعَمَلِهِ أَجْرًا وَلَكَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ ذُخْرًا وَكَانَ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ أَقْوَى لِنَفْسِهِ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا لِإِيمَانِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَعَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُهُ. وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} تَصْدِيقًا.
عَنِ السُّدِّيِّ: {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} قَالَ:"تَصْدِيقًا , لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُصَدِّقًا كَانَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ تَثْبِيتًا وَلِعَزْمِهِ فِيهِ أَشَدَّ تَصْحِيحًا وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} "
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْ إِعَادَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} لَإِيتَائِنَا إِيَّاهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ مَا وُعِظُوا بِهِ مِنْ طَاعَتِنَا وَالِانْتِهَاءِ إِلَى
أَمْرِنَا.
{أَجْرًا}
يَعْنِي:"جَزَاءً وَثَوَابًا عَظِيمًا , وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا لِعَزَائِمِهِمْ وَآرَائِهِمْ , وَأَقْوَى لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ لِهِدَايَتِنَا إِيَّاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا , يَعْنِي: طَرِيقًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ , وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الْقَوِيمُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِعِبَادِهِ وَشَرَعَهُ لَهُمْ , وَذَلِكَ الْإِسْلَامُ."