وسُئل بعضُ الحكماء عن البلاغة فقال: مَن أخذ مَعاني كثيرة فأدَاها بألفاظ قليلة، وأخذ معاني قليلة فولّد منها لفظاً كثيراً، فهوِ بَليغ.
وقالوا: البلاغة ما حَسُن من الشعر المنظوم نثره، ومن الكلام المنثور نَظْمه.
وقالوا: البلاغة ما كان من الكلام حَسناً عند استماعه، مُوجزاً عند بَدِيهته.
وقيل: البلاغة: لَمْحة دالّة على ما في الضَّمير.
وقال بعضُهم: إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عِيّ، وإنما يَحْسن الإيجاز إذا كان هو البَيان: ولبعضهم:
خَيْر الكلامٍ قَليلُ ... على كَثير دَلِيلُ
والعِيُّ مَعنى قَصِيرُ ... يَحويه لفظٌ طَويلُ
وقال بعضُ الكتَّاب: البلاغةُ مَعْرفة الفَصْل من الوَصْل. وأَحْسن الكلام القَصْد وإصابة المعنى.
قال الشاعر:
وإذا نَطقتَ فلا تكًن أَشِراً ... وآقصِدْ فخيرُ الناس مَن قصَدَا
وقال آخر:
وما أحدٌ يكون له مَقالٌ ... فيَسْلَم من مَلامٍ أو أثامِ
وقال:
الدَّهرُ ينقص تارةً ويَطولُ ... والمَرْءُ يَصْمت مَرَّةً ويَقُول
والقولُ مخْتلف إذا حصَّلته ... بَعْضٌ يرَدّ وبعضُه مَقبول
وقال:
إذا وَضَح الصواب فلا تَدَعْه ... فإنّك كلّمكا ذُقْت الصَّوابَا
وجدتَ له على اللّهوات بَرْداً ... كبَرْد الماء حين صَفا وطابا
وقال آخر:
ليس شَأْنُ البليغ إرسالَه القو ... لَ بطُول الإسهاب والإكثار
إنما شأنُهُ التَّلطُّف لِلْمَع ... نىَ بحُسْنِ الإيراد والإصدْارِ
وجوه البلاغة