وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغضب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، وكذلك أداء العارية، ولينظر تتمة هذا البحث في الرسالة المذكورة، فإن الوقوف عليها من المهمات.
{إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُم بِهِ} أي: نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة، و (ما) إما منصوبة موصوفة بـ (يعظكم) أو مرفوعة موصولة، كأنه قيل نعم شيئاً يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر.
{إِنّ اللّهَ كَانَ سَميعاً} لأقوالكم في الأمانات والأحكام: {بَصِيراً} بأفعالكم فيها، فإن سمع ورأى خيراً جازاكم عليه خير الجزاء، وإن سمع ورأى شراً جازاكم عليه، فهو وعد ووعيد.
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يونس قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} إلى قوله: {سَميعاً بَصِيراً} ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم يقرؤها ويضع إصبعه.
وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري ووضع أبو زكريا إبهامه الأيمن على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا، فقال: هكذا، وهكذا، رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن مردويه في تفسيره.
وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سُلَيم بن جبير، أفاده ابن كثير. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 5 صـ 184 - 191}