لقد وقّع رسول الله صلح الحديبية وانتهت المسألة. ولكن رحمة الله بالمؤمنين الذين وقفوا أمام رسول الله في هذه المسألة ، ورحمة الله لهم بأم سلمة أوضح لهم الرسول: سأبين لكم: أنتم لو دخلتم مكة وفيها أناس مسلمون لاتعرفونهم إنهم يكتمون إيمانهم وإسلامهم ، والبيت الكافر قد يكون فيه واحد مسلم ، وقد تقتلون أناساً مسلمين لا تعرفونهم فتصيبكم معرة أي ما تكرهونه ويشق عليكم مصداقاً لقول الحق تعالى:
{وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 25] .
لو تزيلوا أي لو تميز المؤمنون في منطقة لعاقبنا الكافرين عقابا شديداً. إذن لقد أوضح لهم العلة ، فرضي الكل ، ولنا أن نلتفت إلى أن المسألة جاءت من سيدتنا أم سلمة ، وهذا دليل على أن الله لا يمنع أن يكون لامرأة عقل وتفكير ناضج ، ولذلك نجد القرآن يؤكد ذلك في قصة بلقيس ، لقد فكرت بلقيس في الرجل الآتي ليزلزل ملكها ؛ يا ترى هل هو طالب ملك ، فجاء على لسانها في القرآن الكريم.
{قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل: 29 - 32] .
فماذا قال القادة ؟ قالوا: لا ، هذه ليست مسألتنا ، وجاء القرآن بقولهم:
{قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] .