فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إبَاحَتِهَا فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لِأَمْر النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عِيَانًا، وَقَدْ وَصفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَلأَنَّ ذَلِكَ يؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ إبَاحَةَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِلْمُتْعَةِ ثُمَّ قَالَ هِيَ مَحْظُورَةٌ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ لَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ.
وإمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا حَظْرَهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ -الوجه الأول- أي: أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إبَاحَتِهَا فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا- عَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا -الوجه الثاني- حَظْرَهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ وَلذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَ عُمَرُ مُنْكَرًا وَلَمْ يَكُنْ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ ثَابِتًا لمَا جَازَ أَنْ يقروه عَلَى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى نَسْخِ الْمُتْعَةِ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ حَظْرُ مَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّسْخِ.
قال الرازي: ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد، فالحال ههنا لا يخلو إما أن يقال: أنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها ولا حرمتها. فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك.
والأول: هو المطلوب.