فَلَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهَا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَعَرَفَتْهَا الْكَافَّةُ كَمَا عَرَفَتْهَا بَدِيًّا، وَلمَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً، فَلَمَّا وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ مُنْكَرِينَ لِإِبَاحَتِهَا مُوجِبِينَ لَحَظْرِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بَدِيًّا بِإِبَاحَتِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَظْرِهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ لمَّا كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إبَاحَتِهِ؟، وَمَعْلومٌ أَنَّ بَلْوَاهُمْ بِالْمُتْعَةِ لَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً كَبَلْوَاهُمْ بِالنِّكَاحِ؛ فَالْوَاجِبُ إذًا أَنْ يَكُونَ وُرُودُ النَّقْلِ فِي بَقَاءِ إبَاحَتِهَا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ.
الدليل الثاني: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِى رَسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا (يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ) .
والجواب عليه:
الوجه الأول: الحديث منسوخ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه البخاري:. . . وَبَيَّنَهُ عِليٌّ عَنِ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ مَنْسُوخٌ.
الوجه الثاني: أن سلمة بين أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهي عنها.
عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا.
الدليل الثالث: عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى مات.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما في كتاب الحج لا في كتاب النكاح وليس فيه لفظ (متعة النساء)