اللفظةِ إيجاب عقوبةٍ، وما ذلك إلا كما قال المخالف في لفظةِ الِإيجاب، فإنَّ قولَه: أوجبتُ، لفظةٌ واحدةٌ اقتضتْ بنفسها انحتامَ الفعلِ الَمستَدْعى، وكان من حكِمها إيجاب العقوبةِ على المخالفِ لمقتضاها، وكذلك إيجاث الثواب إنما هو بدلالة لا من اللفظةِ، إذ لو لم يخبرِ الله سبحانه بالمجازاةِ لمَا اهتدينا إلى مقابلَةٍ منه، بل يجب طاعتة ولا تجبُ إثابته، فلما أخبرَ صار الثواب حقًا بخبرِهِ، دون لزومهِ للعوضِ والمقَابلَةِ.
وأما قولُهم: لو كانت للِإيجاب لكانت إذا استعْمِلتْ في الندبِ مجازًا. فغير لازمٍ؛ لأنه على أحدِ الوجهين ليس بأمرٍ عند أصحاب الشافعي [1] ، وهو الصحيح عندهم، وإن سلِّم على قولِ صاحِبنا -رضى الله عنه-، فإنما لم يكن مجازًا، لأن تحتها استدعاءً تامًا، فهي كما يَبقى من العموم يكون خصوصًا بالإضافةِ إلى مافوقه، عمومًا في نفسِهِ، لكونه يَعمُّ ما تحتَة، لأنَّ الوجوبَ جُملة تَقْتَضي إيجادَ الفعلِ على أشدِّ استدعاءٍ وآكدِه، فيدخل الندب الذي هو نوع حث فيه، فيصير
(1) هذا ما ذهب إليه الشيرازي ونصره، واختاره الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب والفخر الوازي.
والوجه الثاني عند الشافعية: أن المندوب مأمورٌ به.
وهو ما ذهب إليه القاضي الباقلاني، والغزالي، والآمدى. وذكر الزركشي أنه الأظهر.
انظر:"البرهان": 1/ 249،"التبصرة"ص (36) ،"المستصفى": 1/ 75، و"الإحكام"/ للآمدي 1/ 208، و"البحر المحيط": 2/ 364، و"المحصول": 2/ 210.