نحن لم نر واحداً لم تنله الأغيار ، وما دامت الأغيار تنال كل إنسان فعلينا أن نعلم أن الله يريد من خلقه أن يتعاطفوا ، وأن يتكاملوا ، ويريد الله من خلقه أن يتعاونوا ، والحق لا يفعل ذلك لأن الأمر خرج من يده - والعياذ بالله - لا ، إن الله يبلغنا: أنا لي ما فِي السماوات وما فِي الأرض ، وأستطيع أن أجعل دولاً بين الناس. ولذلك نقول للذين يصلون إلى المرتبة العالية فِي الغنى ، أو الجاه ، أو أي مجال ، لهؤلاء نقول: احذر حين تتم لك النعمة ، لماذا ؟ لأن النعمة إن تمت لك علواً وغنى وعافية وأولاداً ، أنت من الأغيار ، وما دامت قد تمت وصارت إلى النهاية وأنت لاشك من الأغيار ، فإن النعمة تتغير إلى الأقل. فإذا ما صعد إنسان إلى القمة وهو متغير فلابد له أن ينزل عن هذه القمة ، ولذا يقول الشاعر:
إذا تم شيء بدا نقصه ترقب زوالاً إذا قيل تم
والتاريخ يحمل لنا قصة المرأة العربةي التي دخلت على الخليفة وقالت له: أتم الله عليك نعمته. وسمعها الجالسون حول الخليفة ففرحوا ، وأعلنوا سرورهم ، لكن الخليفة قال لهم: والله ما فهمتم ما تقول ، إنها تقول: أتم الله عليك نعمته ، فإنها إن تمت تزول ؛ لأن الأغيار تلاحق الخلق. وهكذا فهم الخليفة مقصد المرأة.
والشاعر يقول:
نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة
فكيف آسى على شيء لها ذهبا
إن النفس المالكة هي نفسها ذاهبة ؛ فكيف يحزن على شيء له ضاع منه ؟ والحق سبحانه يطلب منا أن نكون دائما على ذكر من قضية واضحة هي: أن الكون كله لله ، والبشر جميعا بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن لا يخفي على الله ، والحق سبحانه لا يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب ، بل يحاسبنا على ما تم تسجيله علينا. إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه .. فسبحانه يقول: