والوجه الثاني: أن كل ما كان فِي القلب مما لا يدخل فِي العمل ، فهو فِي محل العفو وقوله {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل فِي الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد فِي القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك فِي محل العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب: وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه ، وأيضاً فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب.
والوجه الثالث فِي الجواب: أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم فِي الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به فِي الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.
فإن قيل: المؤاخذة كيف تحصل فِي الدنيا مع قوله تعالى: {اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17] .
قلنا: هذا خاص فيكون مقدماً على ذلك العام.
الوجه الرابع فِي الجواب: أنه تعالى قال: {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} ولم يقل: يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا فِي معنى كونه حسيباً ومحاسباً وجوهاً كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالماً بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالماً بكل ما فِي الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان فِي نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب.