قال شيخ الإسلام:"وأمَّا كرامات الأولياء؛ فهي أيضًا من آيات الأنبياء، فإنّها إنّما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة، فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة. وأيضًا فإنّ كرامات الأولياء معتادة من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء. وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياتِهم صغار وكبار، كما قال تعالى: {فأراه الآية الكبرى} [النازعات:20] ، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيِّه محمّد: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم:18] ، فالآيات الكبرى مختصة بِهم، وأمَّا الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين، مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين، لكن لم يوجد كما وُجِد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّه أطعم الجيش من شيء يسير" ( [26] ) .
وقال:"ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يُجري اللهُ على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات" ( [27] ) .
ومن ذلك: تسخير الله فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء لمريم عليها السلام: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .
والنور الذي جعله الله في عصا كلٍّ من أسيد بن الحضير وعباد بن بشر، تحدثا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ( [28] ) .
والأمر الخارق للعادة ليس دليلاً على الكرامة، ولا فضيلة من جرت على يديه، قال أبو علي الجوزجانِي:"كن طالبًا للاستقامة، لا طالبًا للكرامة، فإنّ نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربّك يطلب منك الاستقامة، قال بعض من فهم قوله: وهذا أصلٌ عظيمٌ كبيرٌ في الباب، وسرٌّ غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب" ( [29] ) .