الذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتحمُّل الرسالة لا يقدرون الإنسان قدره، فالإنسان مؤهَّل لتحمّل الأمانة العظمى قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب:72] . وهم عندما استعظموا ذلك لم ينظروا إلى أنّ الرسول ليس جسدًا فقط يأكل ويشرب وينام ويمشي في الأسواق لحاجته، {وَقَالُواْ مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الأسْوَاقِ} [الفرقان:7] ، بل له جوهرٌ متمثل في نفخة الله له من روحه، {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} [الحجر: 29] ، ثم إنّ الرسول يُعدّ للرسالة إعدادًا، قال الله تعالى مخاطبا موسى عليه السلام: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى} [طه:41] ، وأحاط نبيَّه محمّدًا صلى الله عليه وسلم برعايته من صغره قال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى:6 - 8] ، وعن أنس ابن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمِّه - يعني ظئره - فقالوا: إنّ محمدًا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره ( [1] ) .