وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنِ التَّابُوتِ الَّذِي جَعَلَهُ آيَةً لِصِدْقِ قَوْلِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} أَنَّ فِيهِ سَكِينَةً مِنْهُ، وَبَقِيَّةً مِمَّا تَرَكَهُ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ: الْعَصَا، وَكِسَرَ الْأَلْوَاحِ، وَالتَّوْرَاةَ، أَوْ بَعْضَهَا وَالنَّعْلَيْنِ، وَالثِّيَابَ، وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُدْرِكُ عِلْمَهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِخْرَاجِ، وَلَا اللُّغَةِ، وَلَا يُدْرَكُ عِلْمُ ذَلِكَ إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجِبُ عَنْهُ الْعِلْمَ، وَلَا خَبَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ لِلصَّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا.
وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهِ تَصْوِيبُ قَوْلٍ وَتَضْعِيفُ آخَرَ غَيْرَهُ، إِذْ كَانَ جَائِزًا فِيهِ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ حَمْلِ الْمَلَائِكَةِ ذَلِكَ التَّابُوتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى تَضَعَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَسُوقُ الْمَلَائِكَةُ الدَّوَابَّ الَّتِي تَحْمِلُهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّهُ أشمويل قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ فِي مَجِيئِكُمُ التَّابُوتَ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، حَامِلَتُهُ الْمَلَائِكَةُ {لَآيَةً لَكُمْ}
يَعْنِي لَعَلَامَةً لَكُمْ وَدَلَالَةً أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا إِنْ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ تَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ وَاتَّهَمْتُمُونِي فِي خَبَرِي إِيَّاكُمْ بِذَلِكَ {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الَّتِي سَأَلْتُمُونِيهَا عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ طَالُوتَ وَمُلْكِهِ.