قوله سبحانه {ولما برزوا لجالوت وجنوده} الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة فِي الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه . واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و {قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً} وهكذا كان يفعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما روي فِي قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي عدواً قال:"اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك فِي نحورهم ، اللهم بك أصول وبك أجول". والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة . أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم فِي المحاربة ، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل . ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار ، فاقترحوها بقولهم {وثبت أقدامنا} ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم {وانصرنا على القوم الكافرين} فلا جرم استجاب الله دعاءهم {فهزموهم} كسروهم {بإذن الله} بتوفيقه وإعانته {وقتل داود جالوت} عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت ، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم فِي المصاف ، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد ، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل ، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم .