والصوامع هي ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون لله فيها ، لأن فيه متعبداً عمل بالتكليف العام ؛ ومتعبداً آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون فِي أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع ، وهي تشبه الدير الآن. والمعنى العام فِي التعبد للنصارى هو التعبد فِي الكنائس وهو المقصود بالبيع ، والمعنى الخاص هو التعبد فِي الصوامع. إذن"لهدمت صوامع"هذه لخاصة المتدينين ، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق:"وصلوات"، من صالوت ، وهي مكان العبادة لليهود ، و"مساجد"وهي مساجد المسلمين.
إن قوله تعالى:"لفسدت الأرض"فِي هذه الآية ، وقوله تعالى هناك"لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد"أي أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد ؛ لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت .. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا.
فالأديرة والكنائس والصوامع - حين كانت - والمساجد الآن هي حارسة القيم فِي الوجود ، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك الغرور ، وهي من السجود الذي هو منتهى الخضوع للرب ، نخضع بها لله خمس مرات فِي اليوم والليلة ؛ فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب ، ويعرف العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد ؛ فلا يدخلك أيها المسلم شيء من الغرور. فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله فِي مطلوبات الله. أما أن تأخذ أنت أسباب الله فِي غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس ؟ والله أقدر لسانك على الكلام ، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمة ؟ إن الله قد أعطاك النعمة فلا تستعملها فِي المعصية.