أَيْ مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ أَعْلَامِي، وَحُجَجِي، وَهِيَ آيَاتُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَعَرَّفْتُكُمْ فِيهَا مَا فِيهِ خَلَاصُكُمْ مِنْ عِقَابِي، وَبَيَّنْتُ لَكُمْ حُدُودِي، وَفَرَائِضِي، وَنَبَّهْتُكُمْ فِيهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِي، ثُمَّ عَلَى حُجَجِ رَسُولِي إِلَيْكُمْ، فَأَرْشَدْتُكُمْ إِلَى ظُهُورِ الْهُدَى، فَكَذَلِكَ أُبَيِّنُ لَكُمْ فِي سَائِرِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى نَبِيِّيَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَاتِي وَحُجَجِي، وَأُوَضِّحُهَا لَكُمْ لِتَتَفَكَّرُوا فِي وَعْدِي، وَوَعِيدِي، وَثَوَابِي، وَعِقَابِي، فَتَجَاوزُا طَاعَتِي الَّتِي تَنَالُونَ بِهَا ثَوَابِي فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْفَوْزَ بِنَعِيمِ الْأَبَدِ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ اللَّذَّاتِ، وَالْيَسِيرِ مِنَ الشَّهَوَاتِ، بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِي فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الَّتِي مَنْ رَكِبَهَا، كَانَ مَعَادُهُ إِلَيَّ، وَمَصِيرُهُ إِلَى مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِي، وَعَذَابِي.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ [فيما روي] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:" {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ يَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمِ، فَيَعْزِلُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَآنِيَتَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} فَأَحَلَّ خَلْطَهُمْ"
وَقَالَ مُجَاهِدٌ:"عَزَلُوا طَعَامَهُمْ عَنْ طَعَامِهِمْ، وَأَلْبَانَهُمْ عَنْ أَلْبَانِهِمْ، وَأُدْمِهُمْ عَنْ أُدْمِهِمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} قَالَ: مُخَالَطَةُ الْيَتِيمِ فِي الْمَرَاعِي، وَالْأُدْمِ"