وَأَمَّا الْقُرَّاءُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ الْعَفْوِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ، وَقُرَّاءُ الْحَرَمَيْنِ وَعُظْمُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (قُلِ الْعَفْوَ) نَصْبًا، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرِيِّينَ: «قُلِ الْعَفْوَ» رَفْعًا. فَمَنْ قَرَأَهُ نَصْبًا جَعَلَ «مَاذَا» حَرْفًا وَاحِدًا، وَنَصَبَهُ بِقَوْلِهِ: {يُنْفِقُونَ} عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ قَبْلُ، ثُمَّ نَصَبَ الْعَفْوَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَيَسْأَلُونَكَ أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ؟ وَمَنْ قَرَأَه رَفْعًا جَعَلَ «مَا» مِنْ صِلَةِ «ذَا» وَرَفَعُوا الْعَفْوَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ، قُلِ الَّذِي يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ. وَلَوْ نَصَبَ الْعَفْوَ، ثُمَّ جَعَلَ «مَاذَا» حَرْفَيْنِ بِمَعْنَى يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ، وَرَفْعُ الَّذِينَ جَعَلُوا «مَاذَا» حَرْفًا وَاحِدًا بِمَعْنَى مَا يُنْفِقُونَ؟ قُلِ الَّذِي يُنْفِقُونَ؛ خَبَرًا كَانَ صَوَابًا صَحِيحًا فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قُرِئَ ذَلِكَ عِنْدِي صَوَابٌ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا مَعَ اسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالنَّصْبِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ بِهِ مِنَ الْقُرَّاءِ أَكْثَرُ وَهُوَ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}
يَعْنِي بِقَوْلِ عَزَّ ذِكْرُهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} هَكَذَا يُبَيِّنُ