وَأَمَّا مَنَافِعُ الْمَيْسِرِ فَمَا يُصِيبُونَ فِيهِ مِنْ أَنْصِبَاءِ الْجَزُورِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُيَاسِرُونَ عَلَى الْجَزُورِ، وَإِذَا أَفْلَجَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ نَحْرَهُ، ثُمَّ اقْتَسَمُوا أَعْشَارًا عَلَى عَدَدِ الْقِدَاحِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ.
[البحر الكامل]
وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ إِلَى النَّدَى ... وَنِيَاطِ مُقْفِرَةٍ أَخَافُ ضَلَالَهَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:" {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} : يَقُولُ فِيمَا يُصِيبُونَ مِنْ لَذَّتِهَا، وَفَرَحِهَا إِذَا شَرِبُوهَا"
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عُظْمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ، وَالْبَصْرِيِّينَ {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} بِالْبَاءِ، بِمَعْنَى: قُلْ فِي شُرْبِ هَذِهِ وَالْقِمَارِ هَذَا كَبِيرٌ مِنَ الْآثَامِ.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرَيْنِ: الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: «قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ» بِمَعْنَى الْكَثْرَةِ مِنَ الْآثَامِ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْإِثْمَ بِمَعْنَى الْآثَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ وَاحِدًا فَوَصَفُوهُ بِمَعْنَاهُ مِنَ الْكَثْرَةِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالْبَاءِ {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} لِإِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وَقِرَاءَتُهُ بِالْبَاءِ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ وُصِفَ بِهِ الْإِثْمُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْعِظَمُ وَالْكِبَرُ، لَا الْكَثْرَةُ فِي الْعَدَدِ. وَلَوْ كَانَ الَّذِي وُصِفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْكَثْرَةَ، لَقِيلَ وَإِثْمُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}
يَعْنِي بِذَلِكَ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَالْإِثْمُ بِشُرْبِ هَذِهِ، وَالْقِمَارُ هَذَا أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مَضَرَّةً عَلَيْهِمْ مِنَ النَّفْعِ الَّذِي يَتَنَاوَلُونَ بِهِمَا.