وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَكَرُوا وَثَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِذَا يَاسَرُوا وَقَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ بِسَبَبِهِ الشَّرُّ، فَأَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى مَا يَأْثَمُونَ بِهِ. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْخَمْرِ قَبْلَ أَنْ يُصَرِّحَ بِتَحْرِيمِهَا، فَأَضَافَ الْإِثْمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ بَأَسْبَابِهِمَا، إِذْ كَانَ عَنْ سَبَبِهِمَا يَحْدُثُ.
وَقَدْ قَالَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: مَعْنَى ذَلِكَ وَإِثْمُهُمَا بَعْدَ تَحْرِيمِهِمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قَبْلَ تَحْرِيمِهِمَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ:" {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} "
يَقُولُ: مَا يَذْهَبُ مِنَ الدِّينِ، وَالْإِثْمِ فِيهِ أَكْبَرُ مِمَّا يُصِيبُونَ فِي فَرَحِهَا إِذَا شَرِبُوهَا""
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ وَتَظَاهُرِهَا بِأَنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْإِثْمَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَأَضَافَهُ إِلَيْهِمَا إِنَّمَا عَنَى بِهِ الْإِثْمَ الَّذِي يَحْدُثُ عَنْ أَسْبَابِهِمَا عَلَى مَا وَصَفْنَا، لَا الْإِثْمَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ:" {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فَكَرِهَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} وَشَرِبَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} حَتَّى نَزَلَتْ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعَلَّمُوا مَا تَقُولُونَ} قَالَ: فَكَانُوا يَدَعُونَهَا فِي حِينَ الصَّلَاةِ وَيَشْرَبُونَهَا فِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} "فَقَالَ عُمَرُ: «ضَيْعَةً لَكِ الْيَوْمَ قُرِنْتِ بِالْمَيْسِرِ»