لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول منكم ، عربي ومن قريش يبلغكم رسالة الله سبحانه وتعالى. يحرص عليكم كيلا تقعوا فِي مشقة أو تعيشوا فِي ضنك الكفر ، حريص على أن تكونوا من المهتدين. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأتي من جنس الملائكة ، ولكن جاء من جنس البشر ، فلا يقولن أحد: إنه لا يصلح أسوة لي. إنه نشأ فِي مكة التي تعيش بها قريش ، وتاريخه معروف لقومه: بدليل أنهم خلعوا عليه أول الأوصاف المطلوبة والواجبة للرسالة وهي الأمانة ، فالحق جاء به من البشر وليس بغريب عليهم ، وبمجرد أن أخبر بالوحي وجد أناسا آمنوا به قبل أن يقرأ قرآنا ، وقبل أن يأتيهم بتحدٍ.
فعندما جاءه الملك جبريل عليه السلام فِي غار حراء ، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ،)أي ضمني وعصرني ، والحكمة فيه شغله عن الالتفات ليكون قلبه حاضراً ثم أرسلني فقال: اقرأ ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني وقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني الثالثة فغطني ثم أرسلني فقال:"اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم"فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال لها:"زملوني. زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:"لقد خشيت على نفسي"لكن خديجة رضي الله عنها بحسن استنباطها تقول:"كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"رواه البخارى ، باب كيف كان بدء الوحي. إن خديجة رضوان الله عليها تستنبط أن من فيه هذه الخصال إنما هو مهيأ للرسالة.
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ
(من الآية 128 سورة التوبة)