بَعْضَ خِلَالِ الْكُفْرِ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ بِعَيْنِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُخَيَّلُ عَلَى أَحَدٍ خَطَؤُهُ وَفَسَادُهُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِي رَفْعِ الصَّدِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِهِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَيَجْعَلُ قَوْلَهُ: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ وَخَطَأَ تَأْوِيلِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ ثَابِتُ الْحُكْمِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} وَبِقَوْلِهِ: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ لِأَحَدٍ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْقِتَالَ فِيهِ كَبِيرًا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ:" {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} قُلْتُ: مَا لَهُمْ وَإِذْ ذَاكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْزُوا أَهْلَ الشِّرْكِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ غَزُوهُمْ بَعْدُ فِيهِ، فَحَلَفَ لِي عَطَاءٌ بِاللَّهِ مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا أَنْ يُقَاتِلُوا فِيهِ، وَمَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ: وَلَا يَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوا، وَلَا إِلَى الْجِزْيَةِ تَرَكُوا ذَلِكَ"