وقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} . قال المفسرون: أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية. ومعنى فَرَضَ في اللغة. ألزم وأوجب، يقال: فَرَضْتُ عليك كذا، أي: أوجبته، وأصل معنى الفَرْض في اللغة: الحزّ والقطع.
قال ابن الأعرابي: الفرض: الحز في القِدْح وفي الزند وغيره، وفُرْضَة القَوس: الحَزّ الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الزند: الحز الذي فيه. قال: ومنه فَرْضُ الصلاة وغيرها، إنما هو لازم للعبد كلزوم الحز للقدح، ففرض بمعنى: أوجب، قد ورد في القرآن فرضَ بمعنى أَبَان، وهو
قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] ، بالتخفيف، وقوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره. (فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا.
وقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ذكرنا معنى الرفث عند قوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] ، وأما معناه في هذه الآية، فذهب ابن عباس، والأكثرون إلى أن المراد به الجماع.
قالت طائفة: المراد بالرفث، هاهنا، التعريض للنساء بالجماع،
ذكره بين أيديهن، فأما اللفظ به من غير مراجعة النساء فلا بأس به، لما روى ابن عباس، كان يحدو بعيرَه وهو محرم ويقول:
وهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسا ... إن تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا
فقيل له: تَرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.
وقوله تعالى: {وَلَا فُسُوقَ} قال ابن عباس والأكثرون: الفسوق معاصي الله كلها.