وإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها لفظ الجمع، وذلك أن التثنية أولُ الجَمْع، الدليل عليه قوله تعالى: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] . وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] ، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .
وقال الشاعر:
ظَهْرَاهُمَا مِثلُ ظُهُورِ التُرسَيْن
وقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على الوقت اليسير، فيقولون: قُتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير، وإنما كان القتل في أقصر وقت، فجاز على هذا وقوع الأشهر على أقل منها، ويقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنما أتاه في ساعة منه، فيسمي تلك الساعة يومًا.
وقال عروة بن الزبير: أراد بالأشهر شوالًا وذا القَعْدة وذا الحِجَّة كُمَّلًا؛ لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل:
الرمي، والحلق، والنحر، والبيتوتة بمنى.
وقوله تعالى: {مَعْلُومَاتٌ} أي: أشهر مُؤَقَّتَةٌ معينة، لا يجوز فيها ما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية من التبديل بالتقديم والتأخير، الذي كان يفعله النَّسَأة الذين أنزل فيهم {إِنَمَا النَّسِىَءُ} الآية [التوبة: 37] .
قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وهذا مذهب الشافعي رحمه الله قال: من أراد أن يحرم بالحج لم يصح إحرامه بالحج إلا في أشهر الحج، فإن أحَرْم في غير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة؛ لأن الله تعالى خَصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، وجعلها وقتًا للحج.
وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كُرِه ذلك،
ويجزيه.