وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ اُحْتُمِلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُعَارِضًا لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، بِأَنْ يُرِيدَ:"مَنْ أَصْبَحَ عَلَى مُوجِبِ الْجَنَابَةِ بِأَنْ يُصْبِحَ مُخَالِطًا لِامْرَأَتِهِ"وَمَتَى أَمْكَنَنَا تَصْحِيحُ الْخَبَرَيْنِ وَاسْتِعْمَالهمَا مَعًا اسْتَعْمَلْنَاهُمَا عَلَى مَا أَمْكَنَ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ.
فَإِنْ قِيلَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مُسْتَعْمَلَةَ فِيمَا وَرَدَتْ بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَضَافَتَا ذَلِكَ إلَى فِعْلِهِ ؛ وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْتَعْمَلٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ عَقَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَتِهِ مُسَاوَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ سَمِعَ رِوَايَةَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ:"لَا عِلْمَ لِي بِهَذَا وَإِنَّمَا أَخْبَرَنِي بِهِ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّ رِوَايَةَ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ غَيْرُ مُعَارِضَةٍ لِرِوَايَتِي ؛ إذْ كَانَتْ رِوَايَتُهُمَا مَقْصُورَةً عَلَى حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتِي إنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ ؛ فَهَذَا يُبْطِلُ تَأْوِيلَكَ."
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَاوٍ لِلْأُمَّةِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ إلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَأَفْرَدَهُ مِنْ الْجُمْلَةِ بِتَوْقِيفٍ
لِلْأُمَّةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوهُ} وَقَوْلِهِ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .