بعيد الحجاب، والبعد والعسر والتعذر كل ذلك ليس في حقه، إنما عسر ذلك على
سواه فلا يمنعه عبده ولا يحجبه ملكه، فإذن هي في كل مكان بما هو ومع كل أحد
بما هو المكان لا يحويه، والعدد لا يحصره، يقبض المخلوق ويبسطه، لا يصعد
المخلوق ولا صفته وإلا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته، إنما له من
المكان المكانة، ومن العلو العلاء، ومن الأد ماء والصفات مقتضاها.
ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من تحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر
له، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به؟ ثم الملائكة أرفع قدرًا
ومكانة، بل أين الروح من جميع الجملة وبه حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإذن اللَّه
جاعله - جلَّ جلالُه - ؟.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته الكبرى، وهي آخر خطبة خطبها، خرجها
الحرث بن أسامة: رقى المنبر وقال:"يا أيها الناس، ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم"
ثلاث مرات، فدنا الناس واضطم بعضهم إلى بعض والتقوا ولم يروا أحدًا، فقال
رجل منهم بعد الثالثة: لمن نوسع يا رسول الله، أللملائكة؟ فقال:"لا، إنهم إذا كانوا"
معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا خلفكم، ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم""
وعلى ذلك فليسوا في مكان الأيمان منا والشمائل في المكانة من ذلك، والله - جلَّ جلالُه -
أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء.
قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا
يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)قرأها قتادة:"تفاسحوا في المجالس"هذا الأمر عام
في مجالس الخير مجالس العلم والجمعة والجماعات والتشاور في الأمر يقع،
وكان أولا في مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - (انْشُزُوا) ارتفعوا، وقرئ: (انْشِزُوا) لغتان، مثل:
يعكُفون ويعكِفون، ويعرُشون ويعرِشون، ويَفْسُقُونَ ويَفْسِقُونَ، وكذلك يَحْسُدُونَ
ويَحْسِدُونَ.
(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) قال
ابن مسعود وابن عباس: الذين أوتوا العلم يرفعون على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم