درجات، واحتجا معًا بقول الله - جلَّ ذكره:(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ)فلم يبق من وصف الإيمان إلا الإيمان الأعلى، فمن علم منه
قوة في الإيمان كان أولى بالتقديم، وإن لم يعلم ذلك لخفائه فالله يعلمه.
لذلك - وهو أعلم - قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا...) .
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ
صَدَقَةً ... (12) . نسخها الله - جلَّ جلالُه - بالتي بعدها، وكذلك كل نسخ في القرآن
إنما يتبعه بناسخه، كإيجابه على إبراهيم ذبح ابنه - عليهما السلام - ثم نسخه
عنهما، وكنسخه إيجاب القتال على واحد لعشرة بقوله:(الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ
وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ).
وهكذا ضمن الله - جلَّ جلالُه - النسخ في كتابه العزيز بقوله الحق:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ
نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)فما هي شرط ننسخ جزم بالشرط،
وقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) جواب الشرط، وتخريج الخطاب على سبيل
الشرط يعطي الإتيان بالبدل من المبدل منه بغير مهلة، فافهم فهمنا الله وإياك.
(وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ...(13) . يعني: عطف وعفا وخفف ونحوه.
وقوله: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(14) . هي: الغموس.
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) يعني: زين لهم سوء أعمالهم
حتى غلبهم على أنفسهم، العرب تقول: حذت الإبل؛ أي: استوليت عليها، وبنى
على أصله فقيل فيه: استحوذ على وزن: استفعل، كما بنى افتقر من الفقر، ولم يقل
فيه فقر.
(يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يعادون الله ورسوله.
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) كتب هنا بمعنى: قضى وحتم،
لا يجوز لمؤمن ولا مؤمنة أن يود من حاد الله ورسوله؛ أي: من عادى الله ورسوله
ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.