وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ؛ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا} .
وَمِنْ الْعَدْلِ فِي صُلْحِهِمْ أَلَّا يُطَالِبُوا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ فَإِنَّهُ تَلَفٌ عَلَى تَأْوِيلٍ.
وَفِي طَلَبِهِمْ لَهُ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنْ الصُّلْحِ وَاسْتِشْرَاءٌ فِي الْبَغْيِ.
وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْمَصْلَحَةِ ؛ وَقَدْ قَالَ لِسَانُ الْأُمَّةِ: إنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي قِتَالِ الصَّحَابَةِ التَّعَرُّفُ مِنْهُمْ لِأَحْكَامِ قِتَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ؛ إذْ كَانَتْ أَحْكَامُ قِتَالِ التَّنْزِيلِ قَدْ عُرِفَتْ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: {فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} بِنَاءُ (ب غ ي) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الطَّلَبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} ؛ وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ هَاهُنَا عَمَّنْ يَبْغِي مَا لَا يَنْبَغِي عَلَى عَادَةِ اللُّغَةِ فِي تَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْإِمَامِ يَبْغِي خَلْعَهُ أَوْ يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي طَاعَةٍ لَهُ ، أَوْ يَمْنَعُ حَقًّا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ ؛ فَإِنْ جَحَدَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ.