يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه. لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين، فضحه الله - تعالى - في قعر بيته».
وعن معاوية بن أبى سفيان قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» .
ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الغيبة فقال: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً والغيبة - بكسر الغين - أن تذكر غيرك في غيابه بما يسوءه يقال: اغتاب فلان فلانا، إذا ذكره بسوء في غيبته، سواء أكان هذا الذكر بصريح اللفظ أم بالكناية، أم بالإشارة، أم بغير ذلك.
روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أتدرون ما الغيبة؟
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان في أخى ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه.
ثم ساق - سبحانه - تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ. والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيا، فضلا عن أكله ميتا.
والضمير في قوله: فَكَرِهْتُمُوهُ يعود على الأكل المفهوم من قوله يَأْكُلَ ومَيْتاً حال من اللحم أو من الأخ.
أي: اجتنبوا أن تذكروا غيركم بسوء في غيبته، فإن مثل من يغتاب أخاه المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت، ولا شك أن كل عاقل يكره ذلك وينفر منه أشد النفور.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: قوله - تعالى -: أَيُحِبُ
أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ .. تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفظع وجه وأفحشه.
وفيه مبالغات شتى: منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها: جعل ما هو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها: أنه - سبحانه - لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وإنما جعله أخا، ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ وإنما جعله ميتا ..