وقرأ الجمور: {لَا يَلِتْكُمْ} من لاته يليته، كباعه يبيعه، وهي لغة الحجاز، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو: {لا يألتكم} بالهمز من ألته يألته، بالفتح في الماضي، وبالكسر في المضارع، وهي لغة غطفان وأسد، واختار أبو حاتم قراءة أبي عمرو؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} . وعليها قول الشاعر:
أَبْلِغْ بَنِيْ أَسَدٍ عَنِّيْ مُغلْغَلَةً ... جَهْرَ الرِّسَالَةِ لَا أَلْتَا وَلَا كَذِبًا
واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور، وعليها قول رؤبة بن العجّاج:
وَليْلَةٍ ذَاتِ نَدَى سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِيْ عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ
وهما لغتان فصيحتان.
15 -ثم لما ذكر سبحانه أنَّ أولئك الذين قالوا: آمنّا لم يؤمنوا، ولا دخل الإيمان في قلوبهم، بيَّن المؤمنين المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم، فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} حق الإيمان، هم {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} إيمانًا صحيحًا خالصًا، صادرًا عن مواطأة القلب واللسان. {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ؛ أي: لم يدخل قلوبهم شيء من الريب، ولا خالطهم شك من الشكوك، بل ثبتوا على حالة واحدة، ولم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدقوه، واعترفوا بأن الحق معه، و {ثُمَّ} للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس في حال إنشائه فقط، بل وفيما يستقبل، فهي كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} . {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} تعالى؛ أي: في طاعته، وابتغاء مرضاته على كثرة فنونها من العبادات البدنية المحضة، والمالية الصرفة، والمشتملة عليها معًا، كالحج والجهاد. {أُولَئِكَ} الموصوفون بما ذكر من الأوصاف الجميلة {هُمُ الصَّادِقُونَ} ؛ أي: الذين صدقوا في دعوى الإيمان لا غيرهم، فهو قصر إفراد، وتكذيب لأعراب بني أسد، حيث اعتقدوا الشركة، وزعموا أنهم صادقون أيضًا في دعوى الإيمان.